أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
413
شرح مقامات الحريري
دمعي المنهمر ، ولكن هان على الأملس ما لاقى الدّبر . ثمّ كأنه نزع إلى الاستحياء ، فأقلع عن البكاء ، وفاء إلى الارعواء ، وقال للشيخ : قد صرت إلى ما اشتهيت ، فارقع ما أوهيت ، فقال : هيهات شغلت شعابي جدواي ، فشم بارق سواي . ثمّ إنّه نهض يستقري الصّفوف ، ويستجدي الوقوف ، وينشد في ضمن ما هو يطوف : [ الرجز ] أقسم بالبيت الحرام الّذي * تهوي إليه الزّمر المحرمة لو أنّ عندي قوت يوم لما * مسّت يدي المشراط والمحجمة ولا ارتضت نفسي الّتي لم تزل * تسمو إلى المجد بهذي السّمه ولا اشتكي هذا الفتى غلظة * منّي ولا شاكته منّي حمة لكن صروف الدّهر غادرنني * كخابط في اللّيلة المظلمة واضطرني الفقر إلى موقف * من دونه خوض اللّظى المضرمة فهل فتى تدركه رقّة * عليّ أو تعطفه مرحمه ! * * * قوله : المنكدر ، أي المتغيّر والكدرة ضدّ الصفاء . المنهمر : السائل أقلع : ارتفع وزال . فاء : رجع . الارعواء : الاستحياء والرّجوع الحسن أوهيت : أفسدت . شم : انظر يستقري : يتتبع يستجدي : يطلب الجدا ، وهو العطيّة . في ضمن : في أثناء وفي خلال تهوي : تسرع المشي وتتساقط إليه . الزّمر : الجماعات . المحرمة : الداخلة في الحرم . تسمو : ترتفع المجد : الشرف . السّمة : العلامة . غلظة : جفاء شاكته : ضربته حمة : شوكة العقرب التي تلسع بها ، والحمة : السّمّ فسمي ما يخرج عنه السّمّ باسمه صروف : نوائب . غادرنني : تركنني . خابط : ماش على جهالة . اضطرني : ألجأني . خوض اللّظى : دخول النار . المضرمة : الموقدة . رقّة : شفقة . تعطفه : تلينه . مرحمة : رحمة . * * * قال الحارث بن همام : فكنت أوّل من أوى لبلواه ، ورقّ لشكواه ، فنفحته بدرهمين ، وقلت : لا كانا ولو كان ذا مين ، فابتهج بباكورة جناه وتفاءل بهما لغناه ، ولم تزل الدّراهم تنهال عليه ، وتنثال لديه ؛ حتى آل ذا عيشة خضراء ، وحقيبة بجراء ، فازدهاه الفرح عند ذلك ، وهنّأ نفسه بما هنالك ، وقال للغلام : هذا ريع